إن المعنى الذي يتطارحه الناس اليوم حول العلمانية هو أن الجدير بالمجتمعات الإسلامية أن تستبدل بإرتباطها الديني الإرتباط العلمي وإنما يتصور هؤلاء أن الدين يأخذ أحكامه من غيبيات لايرفدها العلم,  ولايؤيدها المنطق ولاسيما العلم الحديث

ونظرا إلى أن الحضارة الحديثة تأخذ معينها – فيما يزعمون – من العلم, العلم بمعناه الحديث, ونظرا إلى أن الدين يعتمد على الغيبيات, إذن ينبغي للمجتمعات العربية والإسلامية أن تستبدل بمعين الغيبيت, معين العلم , ولما لم يكن من الممكن أن يجتمع المنهج العلمي مع المنهج الغيبي,فقد كان لابد أن ننفض أيدينا على مستوى المجتمع وأنظمته من الدين وغيبياته , وأن ندخل في مضمار التعامل مع العلم , أما الدين فما ينبغي أن نستبقي منه إلا خيطا دقيقا يتمثل في صلة مابين الفرد وربه

والتاريخ الذي يتحدث عن نشأة هذا الإنفصال بين العلم والدين, في ربوع فرنسا وغيرها أكبر شاهد على هذا المعنى الذي نقول..لقد كان منشأ هذا الإنفصال ثور العلم والعلماء على الكنيسة والدين..انتصرت الكنيسة بادئ ذي بدئ , وحوكم العلم والعلماء , ولكن الثورة العلمية عادت فانتصرت بعد حين, وانتصر العلم في هذه المرة الثانية على الدين وعلى الكنيسة, وساد المبدأ اللائيكي أو العلماني , وارتفع لواء الانتصار للعلم في تلك البلاد, ولم يكن ليتم ذلك إلا بتحرير المجتمع من سلطان ذلك الدين

فلا شك أن الدعوى إلى هذا الحل , عن طريق العلمانية , هو تقليد واضح لموقف الغرب من الدين , الذي يتعامل معه ويأخذ نفسه به, ولاداعي أن نفتح ملف الحديث عن تاريخ علاقة الغرب بالدين , كيف كانت هيمنة الكنيسة على الغرب ؟! ثم كيف تقلصت هذه الهيمنة ثم ازدادت تقلصا , ثم أل الأمر إلى أن تمت القسمة على أساس أن المجتمع ينبغي أن ينهج منهجا علمانيا أو علميا ! ولابد لكي ينهج هذا المنهج من أن تحجم الكنيسة ضمن صلاحيات محددة معينة , أما نظام الدولة , ودستورها وأنشطتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسلوكية فينبغي أن يؤول أمر ذلك كله إلى سلطان العلم وسلطان الثقافات المختلفة المتنوعة !

فنحن لانطلب من هؤلاء الذين يصرون على تقليد الغربيين في هذه الدعوة إلا أن يقلدوهم تقليدا كليا متكاملا في هذا الأمر , بحيث يتبعونهم في المنطلقات والنتائج معا وبذلك يكون للتقليد مايبرره من الأسباب المنطقية.

من المعلوم أن الغربيين بدؤوا قبل كل شي فاتجهوا الى دينهم الذي كانو يتعاملون معه فدرسوه دراسة دقيقة, درسوا تاريخه, وجذوره وانتهوا الى يقين بأن هذه المقولات الدينية التي تصدره الكنيسة ليست وحيا من عند الله تنزل على عيسى بن مريم وليس شيء مما قاله الحواريون وانما هو مجموعة مواضعات تراكمت وتزايدت مع الزمن عن طريق المجامع الكنسية المختلفة فهي في مجموعها التزامات اتخذها لنفسه الانسان الغربي وليست أحكاما منزلة من عند لله سبحانه وتعالة وهذا ماوقر في نفوس الغربيين لدى دراستهم الدقيقة لدينهم الذي كانوا يأخذون أنفسهم به.

يقول ستوارت ميل في كتابه “الحرية” سائلا نفسه؟ إذ كان يبحث عن الضرورات التي من شأنها أن تقيد من حرية الإنسان وأن يقبل المجتمع بذلك:

لماذا لاتتمثل هذه الضرورات في الأحكام الدينية التي ترعاها الكنيسة؟ يجيب قائلا:

إن مايسميه الناس اداب المسيحية ليش مما أخذ عن السيد المسيح , ولا ممانقل عن الحواريين , بل هي اداب وضعتها الكنيسة الكاثوليكية على سبيل التدرج أثناء القرون الخمسة الأولى.

وممايقوله ستوارت ميل , يؤكده العالم والفيلسوف البريطانني بنتام في كتابه “أصول الشرائع” موضحا أن الدين, في مجموعه وتعاليمه الكنسية, إنما هو مواضعات اصطلح عليها رجال الدين واجتهدوا فيها فهي من صنعهم , وهي من إبداع فكرهم وإنما قصد منها السير الذي يتفق مع مصلحة المجتمعات الغربية.

إذن فالغربيون قبل أن يتخذوا موقفهم من الدين وتحجيمه , وجعل سلطان العلم مهيمنا عليه, درسوا الدين في مجمله وتاريخه, وانتهوا إلى أن التعاليم الكنسية المختلفة التي يراد تقليد المجتمعات الغربية بها , لم تتنزل وحيا من عند لله وإنما هي مواضعات بشرية أي: من صنع الإنسان, فإذا كانت هذه التعاليم من صنع الإنسان فما الذي يوجب الالتزام بها والخضوع المطلق لها ! وهكذا كانت نتيجة دراستهم الدقيقة للدين عندهم القناعة السليمة المنطقية بما انتهوا إليه.

اما الأخوة الذين يصرون على طرح الحل العلماني فلقد كنت أتمنى أن يكون تقليدهم للغرب متكاملا ! لا أن يقلدوا الغربيين في قرارهم الأخير الذي اتخذوه دون أن يقلدوهم في الدراسات الدقيقة للدين عندهم أهو وحي منزل من عند لله أم هو عبارة عن مجموعة مواضعات اتفق عليها رجال الدين مع الزمن؟

مطلوب من هؤلاء المقلدين أن يكونوا مخلصين في تقليدهم فيسيروا في المنهج الذي سار عليه الغربيون كاملا وأن يدرسوا الإسلام في عقائده وتشريعاته وأن يجيبوا عن السؤال:

هل الإسلام في عقائده وجملة تشريعاته وحي تنزل من عند لله سبحانه وتعالى على رسول كان أمينا في إبلاغ الناس هذا الشرع أم هو شيء صنعه الإنسان فهو ظاهرة اجتماعية. ومطلوب أيضا أن لايقلدوا الغربيين في دراسة اسلامنا هنا , كما درسوا هم حقيقة دينهم هناك ثم يلحوا على النتيجة بدون أي ارتباط بالمقدمة فيقولوا رأسا: ينبغي أن نحجم سلطان الاسلام وأن نقيده ثم نقيده حتى نجعل منه قناة دقيقة تسري بين الفرد وربه فهذا ظلم شنيع للتقليد قبل كل شيء.

فبعد أن ندرس الإسلام دراسة دقيقة ومفصلة فإذا تبين أن الاسلام مجموعة أفكار نسجتها رؤي من البشر من قبلنا, فأنا مع الذين يدعون إلى العلمانية بل نقول أكثر من ذلك: ينبغي أن يحرر الانسان نفسه من دين لم ينسجه الا أناس مثله ولكن مادام فينا من يحاول أن يتخلص من الاسلام قبل أن يتعرف عليه فالمشكلة مستحكمة فالمشكلة هنا هي الإصرار على الجهل.

فهذه ظاهرة مؤسفة في مجتمعاتنا العربية و الإسلامية أن تجد أكثر المسلمين يجهلون كل شيء عند إسلامهم في عنجهية واعتزاز فإذا سألت طبيبا عن مسألة دينية قال لك باعتزاز: انا مختص بالطب ولا أعلم عن الدين شيئا وقس على ذلك.

أما في الغرب فهما كان الاختصاص لكل شخص لابد أن يجزم بأن معرفة تاريخ الكنيسة والمجامع الكنسية من الثقافة العامة التي لابد أن يعرفها ومن ثم إن حكمه على الدين يأتي عن بينة وأساس.

About the Author

Cybersecurity Instructor & Swimmer

View Articles